عبد الملك الثعالبي النيسابوري
42
الإعجاز والإيجاز
« والهجرة » قائمة على حدّها لرسول ما ، ما كان للّه في أهل الإسلام مستسرّ لأمة ومعلنها ، لا يقع « اسم الهجرة » على أحد إلا بمعرفة الحجّة في الأرض ، فمن عرفها ، وأقرّ بها فهو مهاجر . ولا يقع اسم « الاستضعاف » على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ، ووعاها قلبه . إن أمرنا صعب لا يجهله إلا عبد امتحن اللّه قلبه بالإيمان ، ولا يعى حديثنا إلا صدور مبينة ، وأعلام رزينة . أيها الناس ، سلوني قبل أن تفقدوني ، فلا أنا بطريق السماء أعلم منى بطريق الأرض : قبل أن تشعر برجلها فتنة تطأ في خطامها ، وتذهب بأحلام قومها ! 3 - ومن كلامه كرّم اللّه وجهه أما بعد ، فصلّوا بالناس « الظّهر » حين تفيء الشمس « 1 » مثل مربض البعير . وصلوا بهم « العصر » والشمس ضاحية « 2 » في عضو من النهار ، حين يشارفها « 3 » فىء فرسخين . وصلّوا بهم « المغرب » حين يفطر الصائم ، ويدفع « 4 » الحاج . وصلّوا بهم « العشاء الآخرة » حين يتوارى الشفق « 5 » . وصلوا بهم « الغداة » « 6 » والرجل يعرف وجه صاحبه . وصلّوا بهم صلاة أضعفهم ، ولا تكونوا فتانين !
--> ( 1 ) فاء فيئا : رجع . يقال : فاء الظل : رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق . والمريض - بكسر الباء - اسم مكان : مأوى الغنم وغيرها من الدواب . ( 2 ) ضاحية : ظاهرة . ( 3 ) يشارفها : يدنو منها - يطلع عليها . ( 4 ) يقال : دفع عن الموضع : رحل عنه . ( 5 ) يتوارى : يختفى . والشفق : حمرة تظهر في الأفق حين تغرب الشمس ، وتستمر من الغروب إلى قبيل العشاء ، وعندئذ تتوارى . ويقال للمغرب « العشاء الأولى » وللعشاء : العشاء الآخرة . ( 6 ) صلاة الغداة : أي صلاة الصبح . والغدوة : ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس .